كانت أحلام، تدرس في الصف التاسع في إحدى مدارس محافظة مأرب، عندما قررت أسرتها النازحة تزويجها على رجل يكبرها بـ 14 عاما، والزواج المبكر منتشر على نطاق واسع في اليمن، وفاقمت الأزمة الإنسانية المطولة من حجم هذه المشكلة الخطيرة.

كان العامل الاقتصادي الدافع الأكبر لتزويجها، فالأسرة منهكة بفعل النزوح وفقدان مصادر الدخل، وظنت أن تزويج البنت وسيلة لخفض نفقات المنزل طالما أنها قد بلغت سن البلوغ، ولم تدرك المخاطر الصحية والاجتماعية والنفسية المترتبة على الزواج المبكر.

وهو ما تؤكده أحلام، التي فضلت استخدام اسم مستعار لدواع خاصة، بالقول: "كنت في الخامسة عشرة عندما تزوجت، كنت مجبرة على الزواج بسبب الظروف المادية الصعبة للأسرة، شعرت بالحزن، فأنا أريد إكمال تعليمي، ولا أريد الدخول في عالم الأمومة في هذا السن، كانت المسؤوليات تفوق قدرتي، لقد أخطأت الأسرة بحقي".

- مرحلة من القهر

بعد فترة قصيرة من زواج أحلام، تحولت حياتها الزوجية إلى مرحلة من القهر، فقد كان زوجها يعرضها لإساءة لفظية وعاطفية وجسدية بشكل متزايد، وهو أحد أنواع العنف القائم على النوع الاجتماعي، ويعد اليمن من الدول التي تشهد مستويات عالية من العنف ضد المرأة، نتيجة عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية، وأخرى.

وفي كل مرة كانت أحلام، تلجأ إلى الأسرة لتخليصها من هذه المحنة، وتتفاجأ بالضغوط الأسرية لإعادتها إلى زوجها، الأمر الذي فاقم من معاناتها كما تقول: "خذلني والدي مرارا، وشعرت وكأنه يريد التخلص مني، ووالدتي لا تتجرأ على معارضة والدي مهما كانت قراراته خاطئة".

وازدادت المشكلات الأسرية، ووصلت حد الطلاق، فعادت أحلام، إلى منزل أسرتها، ومعها طفلتها، لتدخل مرحلة جديدة من المأساة، فأسرتها نظرت إليها كامرأة فاشلة، ويجب أن تعامل بقسوة، حتى تعرف قيمة الحياة الزوجية، ولا تتكرر الفشل في حال حظيت مستقبلا بزوج آخر.

وعن ذلك قالت أحلام: "عاملتني أسرتي كمجرمة وليس كضحية، طلبوا مني تسليم طفلتي إلى والدها ورفضت ذلك بشدة، خوفا على بنتي من التشرد والضياع، وكنت أراهم يغضون الطرف أمام اعتداءات إخوتي الصغار على بنتي، باعتبارها بنت الناس لا تستحق الرعاية اللازمة، وكأنها ليست طفلة بريئة".

- حياة أفضل

أصبحت حياة أحلام، نوع من الجحيم، والانتهاكات المتواصلة لحقوقها وكرامتها جلبت لها أفكارا سلبية، وصلت حد التفكير بالانتحار، وفجأة سطع شعاع الأمل في حياتها المظلمة، عبر مشروع الاستجابة المتكاملة المنقذة للحياة للأشخاص المستضعفين في حالات الطوارئ في مدينة مأرب "مشروع حياة".

والذي نفذته جمعية الوصول الإنساني للشراكة والتنمية HUMAN ACCESS‏، بتمويل من صندوق التمويل الإنساني في اليمن YHF، لإنقاذ حياة النازحين والعائدين والمجتمع المضيف، ويشمل عدة خدمات، منها الدعم النفسي، وهو ما تحتاجه أحلام، فنتيجة العنف الأسري، أصبحت صحتها النفسية هشة، وتستدعي التدخل لإكسابها الثقة بالنفس.

ولأنها تمتلك مهارات في صناعة الحلويات، تم منح أحلام، مساعدة نقدية، في أبريل 2025، مكنتها من شراء مستلزمات هذه المهنة، والانطلاق في سوق العمل لكسب الرزق والإنفاق على الأسرة، وهنا تغيرت حياة هذه المرأة العشرينية نحو الأفضل، وتحسنت معاملة أسرتها لها، وهو ما يؤكد بأن الضغوط الاقتصادية تساهم في تحول الأسر إلى فضاء العنف، وأن الدعم المالي يساهم في حماية المرأة من العنف.

تقول أحلام: "خرجت من عالم النسيان واستعدت ثقتي بنفسي، أصبح لي قيمة ودور في الأسرة والمجتمع، وتعززت مكانتي، وأصبحت قادرة على إكمال حياتي، لقد شعرت بالكرامة والقوة، وأعيش الآن حياة جديدة، وسأعمل على تعليم طفلتي، ولن أسمح بتزويجها مبكرا، لقد ابتسمت لي الحياة بفضل مشروع حياة".