تعد أزمة المياه في مدينة تعز اليمنية من أخطر التحديات الإنسانية التي تواجه السكان، إذ أصبح الحصول على مياه الشرب النظيفة معاناة مستمرة تستنزف الدخل شبه المعدوم وتفرض أنماط عيش قاسية.

في منطقة المطار القديم بمديرية المظفر، ونظراً لارتفاع أسعار صهاريج المياه التجارية، تعتمد نسبة كبيرة من الأسر على المياه التي يوزعها رجال الخير أو المنظمات الإنسانية، عبر الصهاريج المتنقلة في الأحياء السكنية، لتأمين احتياجاتها من مياه الشرب والاستخدام الشخصي.

لكن هذه المياه الموزعة غير منتظمة الوصول، وكمياتها محدودة أيضاً، وفي أحيان كثيرة يتعين على النساء والأطفال السير لمسافات طويلة لجلب المياه، كونهم يتحملون العبء الأكبر لأزمة المياه، وهي رحلة محفوفة بالمخاطر.

رحلة المشقة اليومية

أسماء محمد، البالغة من العمر 35 عامًا، إحدى سكان المنطقة، تصف المعاناة بالقول: "منذ عام 2014 لم تصلنا المياه عبر الشبكة العامة، وليس بمقدورنا شراء الماء لأن دخلنا محدود للغاية، وأول ما نسمع صوت الشاحنات الخيرية نهرع كلنا لتعبئة الجالونات للشرب والطهي، أما الغسيل والاستحمام فكل أسبوعين أو ثلاثة بحسب كمية المياه المتوفرة لدينا".

وتحدثت أشواق أحمد – 29 عامًا – وهي أم لخمسة أطفال، عن هذه المعاناة بالقول: "مشكلة توفير المياه من أكبر التحديات التي تواجهنا، نضطر لحمل الماء فوق رؤوسنا يومياً لمسافات طويلة، آلامنا تسيل مع كل قطرة ماء، وأظل لساعات طويلة في حالة قلق عندما يذهب أطفالي بمفردهم لإحضار الماء خوفًا من تعرضهم لسوء خلال عملية جلبها من أماكن بعيدة".

لكن هذا الوضع تغير في هذه المنطقة، التي يقطنها أكثر من 15 ألف فرد، لأن جمعية الوصول الإنساني للشراكة والتنمية، قامت بحفر بئر مدرسة الحياة في المنطقة، وتجهيزه بمنظومة ضخ غاطسة، ومنظومة طاقة شمسية متكاملة، وغرفة تحكم، وربطه بشبكة المياه.

وذلك ضمن مشروع تعزيز مصادر مياه آمنة ونظيفة بشكل مستدام لسكان مدينة تعز، الممول من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وقد ساهم تشغيل المشروع بالطاقة الشمسية في تحسين استمرارية توفر المياه للمستفيدين، وتحسين جودة الهواء، وخفض تكاليف التشغيل.

شريان حياة جديد

في شهر أغسطس 2026، تم تدشين المشروع بحضور وكيل محافظة تعز المهندس رشاد الأكحلي، الذي قال إن "المشروع يلامس الاحتياج الفعلي للسكان، ويخدم منطقة حرمت من خدمات المياه لأكثر من 11 عامًا".

شعر الأهالي بفرحة عارمة، ومنهم أنور نعمان – 37 عامًا – الذي قال: "لحظة طال انتظارها، وفرحة لا توصف، أعدتم لنا شريان حياة، وتحقق حلمنا أخيرا بعد عناء طويل، كانت الرحلة لجلب المياه بمثابة كابوس يومي، وكان الاستحمام اليومي بمثابة حلم".

المشروع أحدث فرقاً ملموساً في حياة الأسر المستفيدة، إذ أصبح لدى العائلات الآن مياه شرب آمنة ونظيفة، الأمر الذي انعكس إيجاباً على صحة الأهالي، وعزز كذلك من قدرتهم على التكيف مع التغير المناخي.

محمد فرحان – 40 عامًا – أحد المستفيدين قال: "المشروع غير حياتنا نحو الأفضل، إنه مصدر ارتياح كبير لنا، لقد خفف الأعباء المالية عن كاهلنا، وصار بإمكاننا الآن العناية بأطفالنا وإعادة بناء حياتنا، لقد انتهى عناء جمع الماء من أماكن بعيدة تحت أشعة الشمس الحارقة".

وفي نهاية المطاف لا يوفر هذا المشروع المياه النظيفة لمنطقة المطار القديم فقط، بل يمثل خطوة عملية نحو تعزيز الأمن المائي في اليمن الذي يعد من أفقر دول العالم في الموارد المائية، ويقلل المخاطر الصحية المرتبطة بقلة المياه أو المياه الملوثة، ويعزز فرص الأمل والاستقرار والحياة الكريمة.

(تم تغيير الأسماء لحماية هوية الأشخاص)