ليس سهلاً أن يترك الإنسان منزله وذكرياته ومصدر رزقه، ثم يجد نفسه فجأة مضطراً للبدء من الصفر، في مكان لا يعرفه، وظروف لا يملك فيها سوى القليل من الأمل والكثير من القلق على المستقبل.
هذا هو واقع آلاف الأسر اليمنية التي دفعتها موجات التصعيد وتجدد القتال خلال الأشهر الماضية إلى النزوح، بعد أكثر من عقد من الصراع الذي أنهك قدراتها واستنزف سبل عيشها، وتركها أمام خيارين أحلاهما مرّ: البقاء تحت تهديد الخطر، أو الرحيل نحو المجهول.
فالنزوح ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل اقتلاع من تفاصيل الحياة، وفقدان مفاجئ للأمان والاستقرار.
خلف كل أسرة نازحة حكاية من المعاناة؛ أطفال انقطعوا عن مدارسهم، وأمهات يحملن همّ الغذاء والماء والدواء، وآباء فقدوا مصادر دخلهم، ومرضى وكبار سن يواجهون ظروفاً تفوق قدرتهم على الاحتمال.
ولا تنتهي المعاناة بالوصول إلى مكان أكثر أمناً، بل تبدأ تحديات أخرى، مع شح الغذاء والمياه، ونقص المأوى والخدمات الصحية، واكتظاظ مواقع النزوح، وتراجع قدرة المجتمعات المستضيفة على تحمّل المزيد من الأعباء.
وتبرز محافظة تعز بوصفها واحدة من أكثر المناطق تضرراً، حيث تتداخل آثار النزوح المتكرر مع صعوبات الوصول والقيود على الحركة، والضغوط المتزايدة على الخدمات والموارد المحدودة.
وما ينبغي أن ندركه أن مأساة النزوح لا تُختزل في أعداد الأسر أو قوائم الاحتياجات والمساعدات، بل في حياة بشر فقدوا القدرة على التخطيط لغدهم، وأصبح تأمين متطلبات يوم واحد شاغلهم الأكبر.
إن هذه المعاناة تستدعي تحركاً إنسانياً عاجلاً ومسؤولاً، تتضافر فيه جهود السلطات المعنية والمنظمات الإنسانية والمانحين، لضمان وصول المساعدات إلى المحتاجين، وحماية الفئات الأشد ضعفاً، ومساندة المجتمعات المستضيفة.
كما أن الاستجابة لا ينبغي أن تتوقف عند الإغاثة الطارئة، بل يجب أن تمتد إلى حماية الكرامة الإنسانية، وتعزيز الصمود، واستعادة سبل العيش، ومنح الأسر المتضررة فرصة حقيقية لاستعادة الاستقرار والاعتماد على الذات.
فليس من الإنصاف أن يظل الإنسان اليمني مطالباً في كل مرة بإعادة بناء حياته من الصفر، أو أن تتحول معاناته المتكررة إلى مشهد مألوف يفقد معه العالم إحساسه بحجم المأساة.
إن هذه الأسر لم تتخلَّ عن أحلامها، بل اضطرت إلى تأجيلها بحثاً عن الأمان، وهي لا تحتاج إلى تعاطف عابر بقدر ما تحتاج إلى تضامن حقيقي يعيد إليها شيئاً من الطمأنينة والأمل.
فمن اضطر إلى أن يبدأ حياته من الصفر، يستحق ألا يُترك وحيداً في مواجهة المجهول.
الدكتور عبدالواسع الواسعي
الأمين العام – الوصول الإنساني للشراكة والتنمية
